رغيف الخبز

كانون الثاني 20th, 2008 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

لقد خبزته وعجنته بيديّ. أهدي هذا الرغيف الساخن إلى كل فقير لا يجد لقمة عيشه. ما كنت لأمتهن صناعة الخبز لولا أنني وجدت "ثقافة رغيف الخبز" منتشرة في كل مكان. أما رغيف اليوم فأخرجه الآن من الفرن بمناسبة الحصار الأليم الذي يُفرض على الإخوة الفلسطينيين في قطاع غزة.

واقف في طابور طويل منذ الصباح والشمس تكاد تشوي رؤوس من تحتها. العرق قد أغرقنا و صوت الدنانير في أياد الناس يصرع الآذان وأنا لم أعد قادرا على رفع رأسي. كل من يحاول أن يتخطى الطابور سأقتله. سمعت صوتا بعيدا آت من الأمام يقول "كلكم ستأخذون حصتكم". تبا لك أيها الكذاب. نظرت إلى ساعة يدي التي بدا لي أنها كانت متوقفة و عليها أرقام لا تتحرك. مرت حوالي نصف الساعة، كنت قد تقدمت فيها أمتارا معدودة. بدأ الجميع بالصراخ. علا صوت الأذان من مسجد قريب. لم أعهد إزعاجا كهذا من قبل، ولو أنه كان طابور ماعز لكانت أصبر و أحلم. ضغطت على أسناني وبلعت ريقي وأنا واقف أستنزف بقيّة أعصابي التي جفّت من العطش. سألت من أمامي عن ماء أشربه فقال "أغرب عن وجهي". صدقوني، كدت أقتله حينها لولا أن جسمي لم يعد فيه طاقة. نظرت إل

المزيد


اللحاف

كانون الأول 31st, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

ما إن فُتح باب الباص حتى خرج منه كالعصفور ذلك الفتى بالزي الوردي الملوّن. راح يركض و يركض و يصرخ بأعلى صوته و يحلّق بحقيبته في الفضاء ضاحكا "لقد عدت لقد عدت يا أمي". وجهه المشرق بالبراءة والمليىء بالطفولة رسم إبتسامة على وجه أمه التي فتحت له الباب. قابلته أمه بحرارة شديدة "إنتبه يا عمر يا حبيبي للبلاط فقد نظّفته للتو". ولج عمر كالأصم إلى المنزل متجاهلا مشاعر أمه نحو البلاط وراح يقفز من مكان إلى مكان حتى بدأ صراخ أمه يعلو "توقف! واجلس إلى طاولة الغداء … ياه! ما بال وجهك أسود وشاحب؟". وقف هنيهة عمر و مسح وجهه مستغربا ثم نظر إلى المرآة "ربما لامس وجهي الحديد في الباص" وركض نحو أمه وأحاطها بيديه "أحبك يا أمي". خلع زي المدرسة و رماه على الكنبة "لا أريدك أن تطعميني. سآكل لوحدي". أخذت أمه زي المدرسة عن الكنبة لتغسله "ستوسّخ ثيابك. أنا سأطعمك". نظر عمر إلى طاولة الغداء "كلا كلا لا أريد هذا. أريد أن آكل لوحدي و لن أوسخ ثيابي. أرجوك. دعيني آكل لوحدي". لم تردّ, فانقضّ على الطعام يأكل و يقصّ على أمه ما جرى في المدرسة "أتريدين أن أتلو عليك القصيدة التي تعلمناها اليوم؟ إسمها: أمي". خرجت الكلمة الأخيرة من فمه مشوّهة و ممضوغة. جلست أمه بجواره على الكنبة وأشعلت سيجارتها و

المزيد


تساقطت معاني الحركات

أغسطس 15th, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

غلّقت الأبواب. قالت والسمّ يتقاطر من شفتيها بلون العسل كلمات أضاءت الغرفة:

"إشتقت إليك, إلى أنفاسك ترعى في جسدي الخصب, إلى شعرك ينبت فوق خدي, إلى أنفك يشم رائحة عرقي في المعارك, إلى لسانك يسيل لعابه على شفتيّ, إلى أناملك تغوص في أحشاء قلبي. تعال نرسم معا لوحة العُهر, ونقترف المجازر بحق بعضها البعض, ونشعل النار المقدسة في الأماكن المقدسة, ونغرق في الخمر حتى يسكر الفراش."

ثم وقفت أمامي مذهولة وبدأت ملامح وجهها تتغير. إتسعت عيناها و برقت. ضحكت حتى بان البدر في وجهها. ثم عبست. إرتبكت. بدت مضطربة كمدمن مخدرات وجد كومة من الأفيون بعد إقلاعه عنها, محبطة كشجرة ذابلة يابسة, كعاهرة طاوعها الشعر حين وجدها أكثر جرأة من الكلمات, عارية كما ولدتها أمها.

إنبعثت رائحة نتنة من مكان ما. أكملت وقد بلعت ريقها: "هلم إليّ. ما بك جاف كالصحراء؟ هيا يا حبيبي إذبحني بيديك! تحرك!" سكتت قليلا ثم بلعت ريقعها مرة أخرى بصوت يشبه ال

المزيد


القصبة المؤمنة

أيار 23rd, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

إشتد الريح. فتحت أبواب السماء. نزل المطر. وقفت القصبة الوحيدة والمؤمنة على ضفة النهر تجابه العاصفة بكل قواها. حسدتها الأشجار المترامية هنا وهناك. راحت تميل يمينا ويسارا. ولكنها بقيت ثابتة.

رحلت العاصفة. جاءت العاصفة.

إشتد الريح. فتحت أبواب السماء. نزل المطر. وقفت القصبة الوحيدة والمؤمنة على ضفة النهر تجابه العاصفة بكل قواها. حسدتها بقايا الأغصان على شبه الأشجار. راحت تميل يمينا ويسارا. ولكنها بقيت ثابتة.

رح

المزيد


ما أنا بناطق

نيسان 25th, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

لا طاقة لي عليكم اليوم! لا تجبروني على النطق. لا حول ولا قوة إلا بالله. ليس عندي ما أقوله لكم. كم مرة قلت ذلك لكم؟ يا قوم!! ما لكم لا تفقهون شيئا؟ أقول لكم ليس عندي كلام. يا سلام!! لقد طفح الكيل. لا أريد لا أريد. أتركوني. لا لا. يلعن أبوكم وأبو اللي … يا إبن الـشر**** !! أخلوا سبيلي, دعوني وشأني.

 
حسنا دعونا نلعب اللعبة مرة أخرى. ونريد أن نحسم النتيجة هذه المرة. قيّدوه.

 

آخ. آآآآآآآآآخ. آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآخ. يا الللللللللللللللله. ماهذا؟ آآآآآآآآآخ. يا الله !! أتركوووووني. آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ آآآآآخ.

 

أنطق!! تكلم!! يا إبن العرب. كلب إبن كلب.

 
ركعت. سجدت. شهقت بصوت عال. آخ يا الله !! ظهري. يا الله !! ظهري .. ظهري يؤلمني .. ظهري .. ليس - ليس ما أقوله عندي. أتركوني. لا علاقة - لا علاقة لي بالأمر. شهقت مرة أخرى. حسبي الله ونعم ..

 

هذا الحيوان لا يفهم بالتروّي. خذوه فأشبعوه ضربا. خذوه من هنا. إبن الساقطة!! أبعدوه عن وجهي. لا أريد أن أراه. ضعوه في الزنزانة حتى يتعفّن. شعب حقير !!

 
عصّبوا عينيّ وخلّعوني ثيابي وقيّدوا يديّ وقدماي وأرسلوني إلى زنزانة يغشاها الظلام ويخيّم عليها الهواء البارد المثقل بالرطوبة. مر يوم, ويومين, وثلاثة أيام, وأربعة أيام, وخمسة أيام. لم تُفتح الزنزانة قط. بدأت أسمع دقات قلبي. شعرت بالجدران تتحرك داخل الزنزانة. آمنت بالأشباح. فهمت معنى كلمة جنون. بدأ دماغي يلفظ أفكاره الملحدة. رحت أهلوس على وقع أعصابي المرتعشة. عزفت حالتي عن الإس


المزيد


متى تفرغ الزجاجة؟

نيسان 23rd, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

كنت عائدا من العمل ليلا منهكا. انتظرت قليلا قبل أن أفتح الباب. فكّرت مجددا بالحياة. كفرت. سئمت من الآلهة التي لا وجود لها. فتحت باب المنزل لأرى ذلك العجوز - كالعادة - جالس كالجثّة على الكنبة يحتسي — أغلقت الباب وأدرت ظهري فأصبحت بمواجهته. كم أكرهه! لم ألق عليه التحية. تجاهلته نهائيا. لم أنظر إليه. دخلت بسرعة, وقلبي يخفق, وأعصابي ترقص على صوت طنين كرات الثلج. مررت بجانبه, راح يضحك بصوت عال ويقهقه. لم يسكت عن الضحك. دون أن أنظر إلى (الزجاجة) توقعت أنها شبه فارغة. لم أعد أخافه.


تكرر ذلك المشهد كثيرا في حياتي. لقد سئمت. لقد حفظت هذه الصورة غيبا. إنها الصورة المجنونة. ترافقني أينما كنت. كانت كالخنجر الذي استباح جسمي. بات جسمي كالجيفة. تعيسة هي الحياة التي يكون مصيرنا معلق فيها بصورة مجنونة!!


لا تمر صلاة إلا وأسأل الله له الهداية والغفران. ترى ماذا يفعل أبي الآن؟ هل فرغت الزجاجة يا ترى؟


صور أخرى كثيرة وخناجر كانت تزيّن جدران ذهني. بعد أن توفيت والدتي - وأنا في السابعة من عمري - إعتزل أبي الحياة واتخذ إلها جديدا. الهوى. ترك عمله في تجارة القماش لفترة ثم حاول أن يجدد العهد ولكنه لم يفلح. أصابه المرض - الربو. اعتكف في المنزل. تزوج مرة أخرى - من زجاجة الخمر. أحبها ولم يعد يفارقها. غيّر مجال عمله ولكن الناس كانوا ينفرون منه ومن تصرفاته المجنونة. لم يعد هناك من يصرف علينا. أهل والدتي لا يعترفون بنا, ووالدي الوحيد لأبويه, فلم يبقى لي غير الله وأختي. بدأت ملامح أبي تتغير وتصرفاته راحت تفقد صوابها. أجبرني على العمل, فعملت بائعا للقماش. ظننت أن هذا سيخفف من ألمه الجسدي والنفسي لا أن يزيد من ألمي أنا, الجسدي والنفسي. كنت أعود أحيانا من العمل ليلا فيسألني أين المال الذي حصلت عليه,

المزيد


لا تكتئب فقد عشت بين المقابر

نيسان 12th, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

في البداية, شعرت بالضيق من وطئة الأفكار المكبوتة في قاع عقلي. خنقتني تلك الأفكار, فحبست عني الحياة, ثم راحت تلعب على وتر أعصابي. من سمح لها؟ فحولت شبه الحياة التي أنعم بها إلى مقبرة دَفنَتْ فيها  نفسها إلى الأبد.

و مع الوقت, فاحت رائحة الأفكار الميتة, الحيّة في كياني, فأصبت بالإكتئاب - الذي خنقني وحبس عني المزيد من الحياة - فمضى يلعب على أوتار أعصابي المجنونة. من سمح له؟ فمزّقها و حوّل شبه شبه الحياة التي أنعم بها إ

المزيد


التنورة الحمراء

نيسان 11th, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

التنورة الحمراء

هذا صحيح! – كنت عصبيا – جدا جدا, وبشكل مخيف. ولكن الناس يقولون عني مجنون. نعم .. لعله المرض. لقد جعل حواسي حادة كالسكين – كلا كلا لم يدمرها. كانت حاسة السمع الأكثر حدة, حتى أنني كنت أسمع دبيب النمل. أعلم ما يجول بخاطركم ولكن أرجوكم أن لا تسرعوا في الحكم عليّ. إصغوا و راقبوا كيف أنني بصحة عقلية – كيف أنني أستطيع أن أخبركم القصة بكاملها بهدوء تام.

مستحيل أن أقول لكم كيف دخلت الفكرة عقلي, ومهما يكن فإنها دخلت. كلا – دخلت وأصبحت تلازم تفكيري ليلا ونهارا. أحببت تلك الصبية الرشيقة. لم تؤذني قط. لم تهنّي قط. ولم أكن أسعى وراء ثروتها. إنها في العشرينات من عمرها, ولكن هذا لا يعني لي شيئا. لا لا ليس هذا ما أزعجني. أظن أن تنورتها هي سبب المشكلة. نعم تلك هي المشكلة. كانت تلبس تنورة حمراء اللون – حمراء بلون دمي الذي كان يغلي حين أشم عبق جسدها. بدأت تدور في رأسي أفكارا - كلا لم أخبرها ماذا كان يدور في رأسي, ولكنني بخطوات مدروسة قررت أن أريح نفسي من تلك الظاهرة إلى الأبد لعل الناس يكفّون النظر إليّ بهذا الشكل.

كان يجدر بكم أن تنظروا كيف سويّت المسألة – كيف أنني كنت ذكيا – كيف أنني كنت حذرا و منتبها في تعاملي مع المسألة – لو كنتم هناك لضحكتم إلى الأذقان. لم أكن بتاتا لطيفا مع تلك الفتاة الشابة والرشيقة كما كنت في الأسبوع الماضي. كانت تدخل عليّ المحل كل يوم لابسة تلك التنورة, فتشتري أغراضا لأمها. كنت أبتسم لها دائما وأضحك في وجهها. كنت ألحقها في المحل من زاوية لأخرى وأتجسس عليها. ياه! لقد كشف لعبتها. كنت أتظاهر أنني أرتب المحل لكي أراها – كنت ألحقها ببطء تام, جدا تام, لكي لا أزعجها ولا أجعلها تراني.

حسنا أنتم لا تصدقون شيئا مما أقول وتقولون عني أنني غريب الأطوار, ولكن انتظروا قليلا قبل أن تحكموا عليّ. أنا إنسان بسيط و ألتزم بشيىء أفعله بإتقان. تتساءلون كيف؟ مرة دخلت عليّ المحل قبل موعد الإغلاق بقليل. كنت بانتظارها. ما إن دخلت حتى شعّ اللون الأحمر في عينيّ وفاحت رائحة العطر في المحل, فزاد ذلك من وتيرة دقات قلبي, وراحت أفكاري ترقص على موسيقى خطواتها الملعونة. سألتني عن بعض الأغراض لوالدتها فلم أعرف كيف أرد عليها فضحكت وقلت: "تعرفين يا عزيزتي كم أنا فخور بك؟". ابتسمت وسألتني "لماذا؟". قلت: "لأن اللون الأحمر يناسبك كثيرا". لم أكمل كلامي. إحمر وجهها. يا لها من فتاة لطيفة وجميلة. ثم أخبرتها عن مكان الأغراض.
ما إن دخلت حتى انتشلت المنشار الكهربائي من تحت الطاولة ولحقتها إلى الداخل. "هلا ساعدتني قليلا يا عزيزتي لكي أنشر هذه الطاولة؟" قلت ببرودة تامة. تفاجئت بما أقول. ضحكتُ لكي لا أخيفها. ثم قلت لها بنبرة حازمة "لا تخافي يا عزيزتي, أنا فخور بك واللون الأحمر مناسب لك كثيرا". ضَحِ

المزيد


جنازة من نوع آخر

نيسان 11th, 2007 كتبها عوني! نشر في , قصة قصيرة

كنت أمشي في إحدى ليالي صيف لبنان - التي خجل فيها القمر أن يطلع - على الطريق في القرية التي أسكن فيها .. كنت وحيدا .. وفي صدري شيىء من الحزن على أمر لم أعرفه. فإذا بي ألمح رجلين عجوزين يمشيان و على كتفهما صندوق طويل … فإقتربت بالفانوس الذي أحمله. تابوت؟؟. تعجبت من المشهد. إقتربت منهما فإذا بهما يردّدان "الله يرحمها".

"عوافي .. العوادة بسلامتكم .. خليني إحمل معكم"
قال أحدهما: "الله يسلّمك"
قلت في نفسي "ما أقساهم الناس .."
.. وجدت أن التابوت خفيف جدا (غريب !!)

- "أديش مبدئيا عمرا يا حاج ؟ "

أجاب: "المبادىء يا إبني أهم شي بالحياة .. إسقيها بتعيش .. تركها بتموت".

- "لأ يا حاج .. أنا عم بسأل عن عمرا" .. وشددت على كلمة "عمرا".

قال: "أكبر مني ومنك ومن كل الناس"

ظننت أن كبر السن قد أثر على إستيعابه, فلم أكرر السؤال بعدها. ثم سكتّ شاعرا هيبة المشهد الذي أنا فيه ..

وصلنا إلى المقبرة وكنت طوال الطريق ساكتا و محتارا بين أن أفكر بالتابوت الخفيف الذي نحمله وبين أن أفكر في الأجوبة التي سمعتها. وضعنا النعش على الأرض و إقترحت أن أحفر الأرض كي لا أتعبهما. فقالو "لا لن نحفر .. سنترك التابوت هكذا على الأرض"..

- شوووووو ؟!! بس يا حاج —

فإذا بهما يديران إليّ ظهرهما ويتلاشيان بين الأشجار.

بدأ "الفار يلعب في عبّي" .. و

المزيد