-( حبر يغرّد على ورق حزين )-


مدونتي هذه تبحث عن مفاتيح المشاكل اليومية التي ترويها لنا الحياة. فكل باب يفتح على حيز مختلف من مشكلات الشباب, وكل مكان يؤدي إلى باب جديد. ولكن ما نفع الأبواب المنصوبة في مكان خال من الجدران؟ ندخل ونخرج دون أن يتغير موقعنا. كل واحد يبقى في الجانب ذاته من الأشياء: الجانب الذي هو فيه! هناك أبواب ولكن ليس هناك منازل, كما أن هناك مفاتيح وليس هناك أبواب.

الأحد,كانون الثاني 20, 2008


لقد خبزته وعجنته بيديّ. أهدي هذا الرغيف الساخن إلى كل فقير لا يجد لقمة عيشه. ما كنت لأمتهن صناعة الخبز لولا أنني وجدت "ثقافة رغيف الخبز" منتشرة في كل مكان. أما رغيف اليوم فأخرجه الآن من الفرن بمناسبة الحصار الأليم الذي يُفرض على الإخوة الفلسطينيين في قطاع غزة.


واقف في طابور طويل منذ الصباح والشمس تكاد تشوي رؤوس من تحتها. العرق قد أغرقنا و صوت الدنانير في أياد الناس يصرع الآذان وأنا لم أعد قادرا على رفع رأسي. كل من يحاول أن يتخطى الطابور سأقتله. سمعت صوتا بعيدا آت من الأمام يقول "كلكم ستأخذون حصتكم". تبا لك أيها الكذاب. نظرت إلى ساعة يدي التي بدا لي أنها كانت متوقفة و عليها أرقام لا تتحرك. مرت حوالي نصف الساعة، كنت قد تقدمت فيها أمتارا معدودة. بدأ الجميع بالصراخ. علا صوت الأذان من مسجد قريب. لم أعهد إزعاجا كهذا من قبل، ولو أنه كان طابور ماعز لكانت أصبر و أحلم. ضغطت على أسناني وبلعت ريقي وأنا واقف أستنزف بقيّة أعصابي التي جفّت من العطش. سألت من أمامي عن ماء أشربه فقال "أغرب عن وجهي". صدقوني، كدت أقتله حينها لولا أن جسمي لم يعد فيه طاقة. نظرت إلى الوراء، رأيت صفا طويلا يكاد يصل إلى آخر الشارع. نظرت إلى الأمام ثم نفخت هواءا سامّا من فمي. إزدحم الناس أكثر فتوقفت حركة السير في الشارع. نزل الجميع من سياراتهم و اختلط من هم بالطابور مع من هم في الشارع. ما هي إلا دقائق معدودة حتى إشتبك الفريقان. إرتفعت عصيّ خشبية و قضبان حديدية و شظايا زجاج في الهواء. بسرعة البرق خفضت رأسي و ركضت لأختبىء في دكان مجاور. حاولت أن أتسلل من مكان ما لآخذ حصتي، لكن العراك بالعصيّ ما لبث أن تحول إلى حرب بالرصاص. أصوات بكاء وصراخ أطفال وأمهات وعجائز إختلطت بأصوات المتعاركين وأصوات أبواق السيارات. رحت أسترق النظر و قلبي ينتفض من خلف حائط داخل الدكان. لفت إنتباهي مشهد أحد الأشخاص يقتحم الأفراد و يصرخ فيهم "لقد نفد الخبز. لقد نفد الخبز. أوقفوا العراك. على ما--" لم يكمل جملته حتى رأيته بأم عيني يسقط على الأرض جثة ميتة. لم أستطع أن أتمالك نفسي. رحت أحطم كل ما في الدكان و أصرخ عاليا "سأقتل ذلك الخبّاز. سأقتلكم جميعا."