التنورة الحمراء

كتبهاعوني! ، في 11 نيسان 2007 الساعة: 04:31 ص

التنورة الحمراء

هذا صحيح! – كنت عصبيا – جدا جدا, وبشكل مخيف. ولكن الناس يقولون عني مجنون. نعم .. لعله المرض. لقد جعل حواسي حادة كالسكين – كلا كلا لم يدمرها. كانت حاسة السمع الأكثر حدة, حتى أنني كنت أسمع دبيب النمل. أعلم ما يجول بخاطركم ولكن أرجوكم أن لا تسرعوا في الحكم عليّ. إصغوا و راقبوا كيف أنني بصحة عقلية – كيف أنني أستطيع أن أخبركم القصة بكاملها بهدوء تام.

مستحيل أن أقول لكم كيف دخلت الفكرة عقلي, ومهما يكن فإنها دخلت. كلا – دخلت وأصبحت تلازم تفكيري ليلا ونهارا. أحببت تلك الصبية الرشيقة. لم تؤذني قط. لم تهنّي قط. ولم أكن أسعى وراء ثروتها. إنها في العشرينات من عمرها, ولكن هذا لا يعني لي شيئا. لا لا ليس هذا ما أزعجني. أظن أن تنورتها هي سبب المشكلة. نعم تلك هي المشكلة. كانت تلبس تنورة حمراء اللون – حمراء بلون دمي الذي كان يغلي حين أشم عبق جسدها. بدأت تدور في رأسي أفكارا - كلا لم أخبرها ماذا كان يدور في رأسي, ولكنني بخطوات مدروسة قررت أن أريح نفسي من تلك الظاهرة إلى الأبد لعل الناس يكفّون النظر إليّ بهذا الشكل.

كان يجدر بكم أن تنظروا كيف سويّت المسألة – كيف أنني كنت ذكيا – كيف أنني كنت حذرا و منتبها في تعاملي مع المسألة – لو كنتم هناك لضحكتم إلى الأذقان. لم أكن بتاتا لطيفا مع تلك الفتاة الشابة والرشيقة كما كنت في الأسبوع الماضي. كانت تدخل عليّ المحل كل يوم لابسة تلك التنورة, فتشتري أغراضا لأمها. كنت أبتسم لها دائما وأضحك في وجهها. كنت ألحقها في المحل من زاوية لأخرى وأتجسس عليها. ياه! لقد كشف لعبتها. كنت أتظاهر أنني أرتب المحل لكي أراها – كنت ألحقها ببطء تام, جدا تام, لكي لا أزعجها ولا أجعلها تراني.

حسنا أنتم لا تصدقون شيئا مما أقول وتقولون عني أنني غريب الأطوار, ولكن انتظروا قليلا قبل أن تحكموا عليّ. أنا إنسان بسيط و ألتزم بشيىء أفعله بإتقان. تتساءلون كيف؟ مرة دخلت عليّ المحل قبل موعد الإغلاق بقليل. كنت بانتظارها. ما إن دخلت حتى شعّ اللون الأحمر في عينيّ وفاحت رائحة العطر في المحل, فزاد ذلك من وتيرة دقات قلبي, وراحت أفكاري ترقص على موسيقى خطواتها الملعونة. سألتني عن بعض الأغراض لوالدتها فلم أعرف كيف أرد عليها فضحكت وقلت: "تعرفين يا عزيزتي كم أنا فخور بك؟". ابتسمت وسألتني "لماذا؟". قلت: "لأن اللون الأحمر يناسبك كثيرا". لم أكمل كلامي. إحمر وجهها. يا لها من فتاة لطيفة وجميلة. ثم أخبرتها عن مكان الأغراض.
ما إن دخلت حتى انتشلت المنشار الكهربائي من تحت الطاولة ولحقتها إلى الداخل. "هلا ساعدتني قليلا يا عزيزتي لكي أنشر هذه الطاولة؟" قلت ببرودة تامة. تفاجئت بما أقول. ضحكتُ لكي لا أخيفها. ثم قلت لها بنبرة حازمة "لا تخافي يا عزيزتي, أنا فخور بك واللون الأحمر مناسب لك كثيرا". ضَحِكَتْ والخوف باديا على وجهها. بلعت ريقها. سمعت دقات قلبها تتزايد.

قالت: "حح– حسنا"
قلت: "ضعي يدك على الطاولة لكي أقصها"
قالت (متلعثمة): " ت .. ت .. تقص يدي؟"
لا لا لا … بل لأقص الطاولة. أريدك أن تثبّتيها. يا لك من فتاة (رحت أضحك بصوت عال). أنا فخور بك وهذه التنورة الحمراء مناسبة لك تماما.

وضعت يدها على الطاولة وهي ترتجف. قلت "هل تشعرين بالبرد يا عزيزتي؟". لم ترد وراحت ترجف يدها أكثر فأكثر. أشعلت المنشار وما إن قربته من الطاولة حتى قطعتها. ثم سقطت هي على الأرض. ياه .. أنا آسف - آسف جدا - لم أكن أقصد ذلك. لا تبكي يا عزيزتي. راحت تصرخ وتبكي بأعلى صوتها. قلت: "هل لك أن ترفعي صوتك يا عزيزتي لأن المنشار لا يكاد يسمعني شيئا .. تبا لهذا المنشار اللعين". ماذا تقولين؟ يبدو أنها لم تسمعني أيضا لأنها أكملت بالصراخ. مددت يدي وقلت بصوت عال بعد أن اكتشفت هول ما حدث "هيا بسرعة أعطني يدك الأخرى لكي أقلك إلى أقرب مستشفى. هيا هيا." مدّت يدها وهي تصرخ وتبكي وتنظر إليّ. فضحكتُ وأومئتُ لها بوجهي أن لا تخافي. قطعت يدها الأخرى. ياه .. أنا آسف - آسف جدا جدا - لم أقصد ذلك صدقيني. رحت أبكي بصوت عال وأقول: لا أدري ماذا يجري للمنشار. بحثت عن مكان لأطفئه فلم أجده, فسألتها هل تعرفين كيف أطفىء هذا الشيىء اللعين؟ نظرت إليها, لم أجدها إلا هناك "تفرفر" على الأرض عالعصفور المذبوح. يا إلهي ماذا دهاك؟ تركت المنشار مشتعلا, وركضت بسرعة إلى الصيدلية وجئت ببعض الأدوية المسكّنة وكوبا من الماء وقلت من بعيد, مسرعا نحوها: إشربي - إشربي يا عزيزتي. ولكنني وجدتها جثة هامدة على البلاط الذي سُبغ باللون الأحمر, وتنورتها الحمراء قد زاد إحمرارها. قصصتها هي الأخرى بالمنشار وغسلتها ونظفتها وأغلقت المحل بعد أن وضعت الجثة في كيس رميته لاحقا في أقرب مستوعب للزبالة. لقد حزنت عليها كثيرا.

وفي الليلة نفسها يدق باب منزلي فإذا بأهل الفتاة يسألونني - ويبدو عليهم القلق - إذا كنت قد رأيت إبنتهم لأنهم فقدوها بعد أن أرسلوها إلى محلي. قلت: أنتم أهل الفتاة صاحبة التنورة الحمراء, أليس كذلك؟ .. كلا كلا (رحت أضحك) لم أرها اليوم. جاءت محلي ولكنني – هل هذه إينتكم؟ يا لها من فتاة! لما لا تدخلون؟ كلا لم أرها. ولكن لحظة من فضلكم. دخلت بسرعة وأتيتهم بالتنورة الحمراء الممزقة (لقد حزنت عليها كثيرا) وقلت لوالدها الذي كان يعمل خياطا "لدي هذه التنورة وهي تحتاج إلى رتْق وتطويل - إلى الكعبين لو سمحت - لكي تلبسها إبنة عمي.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “التنورة الحمراء”

  1. يا لطيف يا أخ عوني شي مرعب. الله ياسمحك, ماليش خبر إنك قاسي لهاي الدرجة, بس على فكرة تستاهل البنت إم القصير أكثر من هيك, بس مع هذا صرت أخاف منك لا تقطع لساني مثل ما قطعت إيدين هاي الهبلة.

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    نعم اخى عونى هذه الفتاه ربما تستحق الموت ، ولكن فى البدايه وعندما ذكرت قطع اليد ظننتها سارقه ولكن بعد ما بدت لى الحقيقه فى نهاية القصه وودت ان تغير نقطه قطع اليدين الى قطع الرأس نفسه الذى يحمل فيه انحرافا عن شرع الله .

    قصه جميله بالفعل تصلح لان تعرض كمسرحيه او فيلم قصير فقد قمت اخى بصياغتها بطريقه تجعلنا نتخيل الموقف وكانه حقيقه واقعه امامنا بالفعل

    دمت فى حفظ الله



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر